5 حقائق عن البيانات في مناطق النزاع لا يعلّمها أي كورس
- Abdullrahman Al Shaar

- Apr 19
- 4 min read

قضيت سنوات أعمل مع البيانات في سياقات لا تشبه ما يُوصف في مقالات الـ how to أو الكتب التعليمية. في سوريا، حيث تعني «تحديات البيانات» شيئاً أعمق بكثير من اختيار الأداة الصحيحة أو تنظيف ملف CSV.
ما تعلّمته في هذه البيئة غيّر طريقة تفكيري في التحليل بالكامل. ليس لأن الأدوات تختلف — بل لأن الأسئلة التي تطرحها تختلف جذرياً.
هذا المقال ليس نقداً لكورسات البيانات. هي مفيدة ومهمة. لكنها تعلّمك «كيف» — وما أريد مشاركته اليوم هو «لماذا» و«متى» و«ماذا لو لم يكن هناك شيء أصلاً».
إليك خمس حقائق غيّرت طريقة تفكيري في البيانات كليّاً.
الفجوات في البيانات ليست صدفة
كثيراً ما يُعامَل غياب البيانات كمشكلة تقنية: السجل مفقود، النظام لم يُبنَ بعد، التوثيق غير منتظم. لكن في السياقات التي عملت فيها، تعلّمت أن أسأل سؤالاً مختلفاً تماماً: من الذي لا يُحصى؟
الفجوات في البيانات ليست عشوائية. ما يُحصى وما يُسجَّل وما يُرفع في التقارير — كل هذا يعكس أولويات مؤسسية، وحساسيات سياسية، وأحياناً قرارات واعية بعدم التوثيق. في بعض السياقات، غياب البيانات عن فئة معيّنة يقول أكثر مما تقوله أي إحصائية.
هذا لا يعني التشكيك في كل رقم. بل يعني أن المحلل الجيد يسأل دائماً: ما البيانات الغائبة هنا؟ وما الذي يجعل غيابها ممكناً؟
في العمل الميداني، هذا السؤال أنقذني مرات عدة من بناء تحليل يبدو متماسكاً على السطح لكنه يُخفي جزءاً جوهرياً من الصورة.
حين تعمل مع بيانات المهجّرين داخلياً، أو خطط تمويل المانحين، أو مؤشرات الأمن الغذائي — ما يُرفع في التقارير لا يمثّل بالضرورة ما يحدث فعلاً. التمثيل الناقص لفئات معيّنة، والمبالغة في أخرى، والغياب التام لمناطق بعينها — كل هذا له تفسير لا تحتويه الخلية الفارغة في جدول ما.
«البيانات النظيفة» رفاهية — لكن العمل في الفوضى مهارة
أذكر حين كنت أحضّر تقريراً للإدارة العليا. البيانات جاءت من مصادر متعددة، بتعريفات متباينة، وببعض الفجوات التي لم يكن بالإمكان ملؤها في الوقت المتاح. الخيار لم يكن بين «بيانات نظيفة» و«بيانات فوضوية» — بل بين تقديم تحليل مبنيٍّ على ما هو متاح بشفافية، أو الانتظار حتى يصبح كل شيء مثالياً.
الانتظار لم يكن خياراً. القرارات كانت تُتخذ بغضّ النظر عن الحاجة لوقت إضافي لاستكمال جودة البيانات.
معظم كورسات البيانات تعلّمك كيف تعمل مع بيانات نظيفة، موحّدة، كاملة. الواقع في كثير من المؤسسات — وخاصة في البيئات الناشئة والهشة مثل سوريا — يختلف كثيراً. البيانات جزئية. التعريفات متضاربة. السجلات التاريخية ناقصة.
المهارة الحقيقية ليست الحصول على بيانات مثالية — بل معرفة كيف تُقدّم استنتاجات موثوقة من بيانات غير مثالية، مع الشفافية التامة في الحدود والافتراضات.
هذا يتطلب شيئاً لا يُعلَّم كثيراً: الشجاعة التحليلية. القدرة على قول «هذا ما تقوله البيانات المتاحة، وهذا ما لا تستطيع قوله». كثير من المحللين يسقطون في فخ إما رفض البيانات الناقصة كليّاً، أو تجاهل نقصها والمضيّ في التحليل كأنها كاملة. الموقف الصحيح في المنتصف: العمل بما هو متاح مع توثيق صريح للحدود.
لوحات البيانات لا تبني الثقة — العلاقات هي التي تبنيها
أمضيت أسابيع في بناء لوحة بيانات تتبع الشراكات والتمويل. كانت مرمّزة بالألوان، قابلة للتصفية، محدّثة تلقائياً. وفي أول اجتماع استخدمها الفريق فيه، فتح أحدهم ملف الـ Excel القديم بدلاً منها.
كنت محبطاً في البداية. ثم بدأت أفهم.
الثقة في البيانات لا تأتي من جودة الداشبورد — تأتي من الإجابة عن ثلاثة أسئلة في ذهن المستخدم: من بنى هذا؟ هل أفهم كيف يعمل؟ هل أثق بالأرقام التي يُظهرها؟ الإجابة عن هذه الأسئلة لا تحدث بالتصميم الجيد وحده. تحدث بالوقت، والحضور، والشرح، والعلاقة.
ما أسمّيه «فجوة التبنّي»: أو المسافة بين أداة بيانات ممتازة من الناحية التقنية وأداة يستخدمها الناس فعلاً. هو الثقة الشخصية.
في بيئات العمل الصعبة، هذا يعني شيئاً إضافياً: الناس الذين يُدخلون البيانات يحتاجون أن يؤمنوا بأن بياناتهم ستُستخدم للمساعدة وليس للمحاسبة. هذه معادلة ثقة لا يحلّها أي داشبورد، مهما بلغ من الجمال أو الكفاءة التقنية.
أفضل نظام بيانات للبيئات الهشة ليس الأكثر تطوراً
هناك إغراء دائم لبناء أنظمة أكثر تطوراً مما يحتاجه السياق المؤسسي. ليس بسبب سوء النية — بل لأن المحللين والمطوّرين يميلون بطبيعتهم لتبنّي الحل الأكثر أناقةً من الناحية التقنية. لكن في البيئات ذات الموارد المحدودة، الأناقة التقنية قد تكون العدوّ.
نظام رائع لا يمكن لأحد تشغيله حين يغيب المختص التقني، أو لا يمكن تحديثه بالأدوات المتاحة محلياً، أو يتوقف كلما تعطّل الإنترنت — هذا ليس نظاماً ناجحاً، بغضّ النظر عن مدى تطوّره.
تعلّمت أن أسأل قبل بناء أي نظام بيانات: من سيشغّل هذا بعد سنة؟ ماذا يحدث إذا تغيّر الشخص المسؤول؟ ما المهارة التقنية المطلوبة للصيانة اليومية؟
الإجابات عن هذه الأسئلة في بيئات مثل سوريا تقودك دائماً نحو البساطة المتعمّدة. نحو حلول يستطيع موظف متوسط المهارة إدارتها واستمراريتها. نحو Excel منظّم بدلاً من قاعدة بيانات معقّدة، حتى لو كانت الأخيرة «أفضل» تقنياً. التطوّر التقني يأتي تدريجياً، مع بناء الثقة والمهارات والبنية التحتية. لا يمكن القفز فوق مراحل متدرجة.
المعرفة الميدانية تتفوق على البراعة التحليلية — في كل مرة
هذه الحقيقة هي الأصعب قبولاً بالنسبة لمن درسوا تحليل البيانات وأتقنوا الأدوات. لكنها الأكثر أهمية.
في بيئات معقّدة، المحلل الذي يفهم عمق السياق المحلي — الديناميكيات الاجتماعية، تاريخ الصراع، شبكات الثقة، المحرّمات السياسية — سيُنتج تحليلاً أكثر قيمةً بكثير من محلل يمتلك مهارات تقنية متفوقة لكنه يفتقر لهذا الفهم.
ليس لأن المهارة التقنية غير مهمة — هي مهمة جداً. بل لأن الأدوات التحليلية تُضخّم ما تعرفه. إذا كنت تعرف السياق جيداً، تُضخّم تحليلاً سليماً. إذا كنت تجهله، تُضخّم الخطأً.
رأيت تحليلات دولية مبنية على بيانات ممتازة وأدوات متطورة، لكنها أخطأت فهم الظاهرة التي كانت تحلّلها — لأن من أجراها لم يفهم لماذا يتصرّف الناس بالطريقة التي تُظهرها الأرقام. والعكس صحيح: رأيت تحليلات بسيطة من متخصصين محليين أصابت ما أخطأته التحليلات المعقّدة.
المعرفة الميدانية تعني: معرفة من يُدلي بالبيانات ولماذا، ما الذي لا يُقال في الأرقام، وكيف يختلف المعلن عن الواقع المُعاش.
استثمر في المعرفة السياقية بنفس الجدية التي تستثمر فيها في المهارات التقنية. واطلب دائماً مراجعة تحليلك من أشخاص يعيشون في السياق الذي تحلّله — لا كخطوة مجاملة، بل كضرورة منهجية.
ماذا يعني هذا في العمل اليومي؟
هذه الحقائق الخمس ليست دعوة للتشكيك في قيمة التعليم التقني أو الأدوات الحديثة. هي دعوة لتوسيع تعريفنا لما يعني أن تكون محللاً جيداً.
المحلل الجيد في بيئات معقّدة مثل سوريا يجمع بين:
الأمانة المنهجية في التعامل مع حدود البيانات
القدرة على بناء الثقة مع من يُنتجون البيانات ومن يستخدمونها
التواضع الكافي للاعتراف بأن السياق يسبق المنهجية
الشجاعة على تقديم تحليل ناقص لكن صادق بدلاً من تحليل كامل لكن مضلِّل.
هذه المهارات لا يغطّيها أي syllabus تدريسي. بل تُبنى عبر الممارسة، بصناعة الأخطاء، وفي اتخاذ القرارات الصعبة التي تواجهها حين لا تكون البيانات مثالية — وفي الحقيقة لم تكن مثالية في أي مرة عملت فيها بالفعل.
أحب أن أسمع رأيكم في التعليقات، أي هذه الحقائق الخمسة تشعر أنها الأكثر واقعيةً؟



Comments